من كتاب علمنى العيال
للكاتب شريف أبو فرحة
كم كنت أطلق لخيالى العنان ، فأعيش لحطات طويلة أتجول فيها فى كل أنحاء المعمورة ، وأرى ما لم تر عيناى من قبل ، وأقابل كل من شئت من البشر ، وأعمل فى كل الوظائف المرموقة أو الدنية !!
لكنى كنت أحكم خيالى بلمحة من العقل ، فكنت أتخيل لأقيس واقعى و أعرف مكانى من الحياة ، ولم يكن خيالى مجرد أحلام يقظة تهتك أعصابى وتفتت قواى ، بل كان محفزا ودافعا لحياة مختلفة..
كنت _ ومازلت_ لا أؤمن بالمقولة التى تقول :" لا جديد تحت الشمس" ، فأنا أؤمن تماما أن شروق الشمس كل صباح هو شىء جديد فى حد ذاته ، فهى تعلن عن بداية يوم جديد ،فكر جديد وروح جديدة ، وما علينا نحن البشر الا أن نتخيل أنفسنا فى هذا اليوم ، ونعمل على تحقيق ما تخيلناه لنحوله الى واقع ملموس..
كثيرا ما كان بعضنا يتهم الأطفال بالكذب الكثير ، وأنهم لايعرفون الصدق إلا بعد أن يكبروا...
وأحيانا ما كنا نسمع بعض الناس يقولون : الأطفال لا يكذبون أبدا وهم صادقون دائما...
ما هذا التخبط فى التفكير؟!
أذكر مرة أن سألتنى إحدى قريباتى عن شىء ما وقلت لها: من أين لك هذا الكلام ؟
فقالت بثقة: من ابنك الصغير ذى العامين، والعيال لا يكذبون ، وطالما أنه قال ذلك ، فإما أنه سمعك تتحدث مع أمه فى هذا الشأن ، أو سمع أمه تتحدث معك فيه ....
فقلت لها : لكنى لا أعرف عما تتحدثين على الإطلاق !!
ويشاء السميع العليم أن ينقذنى من هذا الحوار بسرعة كبيرة وبرهان واضح ، فإذا بالهاتف يرن ، وإذا بإبنى الصغير يسرع ويرفع سماعة الهاتف، ونحن ننظر إليه ونستمع لما يقوله فى محاولة معرفة المتصل ، وإذا به ينطق فى حواديت و عجائب عن قريبتى تلك لم تحدث على الإطلاق ، فأسرعت هى وانتشلت السماعة من يده ، وأنا أنظر إليها فى ابتسام المنتصر ، وبعد أن أنهت مكالمتها ..سألتها:
ألم تقولى أن الأطفال لا تكذب ؟!! فمن أين اتى بهذا الكلام عنك ؟!!
ابنى لم يكذب..
لأن الكذب له شروط حتى يتحقق..
فالكذب معناه أنه يعرف الحقيقة ويخفيها أو يغيرها...
الكذب معناه أنه يهدف إلى إحداث أثر ما فى السامع عن طريق تغيير الحقائق وتزييفها..
أما ما فعله ابنى وقتها ، فليس كذبا ...
فهو لا يعرف شيئا يريد إخفاءه ..
و هو لا يهدف إلى التأثير فى أحد على الإطلاق
إنما هو طفل واسع الخيال!!
وهذا أجمل ما فى الأطفال..
دنياهم واسعة ، لأنهم يتخيلون دائما ، كل شىء عندهم قابل للخيال..
والأجمل أنهم يصدقون هذا الخيال ، بل يعيشونه واقعا ..
كم يتمتعون ويمتعون بخيالهم الخصب!!
خيال الأطفال منتج ومثمر ، فهم و إن كانت بعض كلماتهم تبدو مجنونة لى بعض الشىء إلا أنهم قد يعطوننى الحلول لأعظم المشاكل بخيال برىء بسيط ، وكما يقول المثل الشعبى: " خدوا فالكم من عيالكم" ، فأنا أقولها لى ولك:
كن صغيرا فى خيالك....
أطلق العنان ، ولا توقف خيالك الطموح أبدا عند حد ما..
اعبر كل الآفاق التى تحيط بك ، وتكبل طموحاتك .. انطلق إلى عوالم أخرى من الخيال ، وتخيل نفسك فيها..
فما هو التخيل؟
التخيل هو تدفق موجات من الأفكار التى يمكنك رؤيتها أو سماعها أو استشعارها أو تذوقها ، فنحن نتفاعل عقليا مع كل شىء عبر الصور... والصور ليست فقط بصرية ولكنها قد تكون رائحة او ملمسا او مذاقا أو صوتا ، هى تعبير داخلى عن تجاربك أو اوهامك .. إنه أحد الأساليب التى يقوم من خلالها مخك بيتشفير و تخزين المعلومات والتعبير عنها ، و هو الأداة التى تتفاعل بها عقولنا مع أجسادنا.
فكل شىء تفعله فى حياتك ، أنت تتخيله قبل أن تفعله مباشرة.. إن كنت عطشا و أردت أن تشرب ، ألا تتخيل الماء وهو ينطلق عبر فمك إلى جسدك ، وكلما ازداد عطشك ، كلما شعرت بالماء أكثر ، بل قد تقول: أشعر بالماء يجرى فى عروقى وأوردتى!!
أنه خيالك يحرك تصرفاتك ..
فخيالك هو أفكارك..
فماذا تتخيل؟
هل تتخيل نفسك ناجحا مرموقا فى هذه الحياة لدرجة أنك ترى نفسك حقا و أنت تحقق هذا النجاح؟
هل تتخيل نفسك وأنت تضحك و تقفز فرحا لأنك حققت ما أردته فى حيانك؟
أم تتخيل عكس ذلك؟
سألنى احد الشباب يوما ، فقال لى : انا أتخيل نفسى دائما شخصا ناجحا ، وأرسم فى عقلى عشرات الصور لنجاحى ، لكننى لا أستطيع تحقيق هذا النجاح ، فماذا أفعل؟
فقلت له : وهل تتخيل كفاحك ؟ أم تتخيل نجاحك فقط؟
عليك أن تتخيل نفسك وأنت تذاكر ، وتتمتع بالمذاكرة تخيل نفسك وأنت تجلس إلى مكتبك ساهرا تحصل كل ماتستطيع تحصيله من العلوم ، تخيل نفسك تواجه الصعوبات وتنتصر عليها ، فهكذا يكون الخيال الإيجابى..
للأسف فإن الشخص العادى تعبر ذهنه قرابة عشرة آلاف فكرة فى شكل صور يوميا ، ونصف هذه الصور على الأقل ذات طابع سلبى!!
ولا فرق بين الصورة الحقيقية والصورة المتخيلة فى التأثير عليك..
فأنت قد تتخيل شيئا سيئا فتتألم كما لو كنت تعرضت له بالفعل
وقد ثبت أن المخ يتفاعل مع الصورة المتخيلة بنفس الطريقة التى يتفاعل بها مع الصورة الحقيقية..
أى لا فرق بين الصورة الخيالية التى يبدعها خيال الإنسان دون أن تراها عينه وبين الصورة الواقعية.
خيالك جزء من قدراتك!!
يقول ستيفن كوفي: "أن تبدأ والغاية جلية في ذهنك يعني أن تبدأ مدعومًا بفهم واسع واستيعاب واضح لوجهتك".
..مهما كان خيالك مستحيلاً كما تظن، فأنت لن تتخيل إلا ما تستطيع تحقيقه على أرض الواقع
ما كان خيالك عاطفيًا ورومانسيًا كما تظن، فهو جزء من قدراتك..
هل تخيل أحد من البشر قبل ذلك أنه سيأتي يوم ويمشي على سطح الشمس؟!
لا.. لم يحدث!!
لكن البشر منذ القدم تخيلوا أنه قد يأتي يوم ويمشون على سطح القمر!!
هل تخيل أحد من البشر قبل ذلك أنه يستطيع أن يمشي على سطح الماء دون معجزة إلهية؟
لا.. لم يحدث!!
لكن البشر منذ القدم تخيلوا أنه قد يأتي يوم ويطيرون فيه في الهواء!!
هل يمكنك أن تتخيل شكل "الخرنق"؟
لن تستطيع إلا إذا كنت تعرف ما الخرنق، أوتدرك له شكلاً أو صفة أو تعرف عنه معلومة أو حكاية حتى!!
لماذا؟
لأنك لا تستطيع أن تتخيل ما لا تعرفه..
لأنك لا تستطيع أن تتخيل شيئًا خارج حدود إمكاناتك المادية والعقلية!!
وبالمناسبة فالخرنق هو الأرنب الصغير.. هكذا اسمه باللغة العربية
هناك مايسمى بتيار الوعى: وهو عبارة عن مجموعة من الخيالات التى تمر على عقل الإنسان فى ترابط وسهولة ، وكيف تستدعى معلومة صغيرة أفكارا كثيرة جدا فى عقل أى واحد منا لدرجة أنه قد لا يتذكر المعلومة الأولى التى كان يفكر فيها....
ألا يحدث ذلك أحيانا معك حين تأوى إلى فراشك ، ولا يكون النوم قد تمكن منك بعد ؟!!
ألم تتذكر من قبل شخصا ما فأخذت تفكر فيه ، وفى آخر مرة قابلته، فتذكرت كيف كان يتحدث بسرعة أربكتك ، كما كنت ترتبك وأنت صغير فى المدرسة من مدرسة اللغة الانجليزية حين كانت تتحدث سريعا وهى تضع عطرا ثقيلا يرهق أنفك ويبعث فى نفسك الخوف والرهبة ، كما تشعر أحيانا حين يسألك ظابط المرورعن رخصة قيادتك وقد كسرت حاجز السرعة وانت تقود سيارتك عائدا من اجازتك الممتعة التى قضيتها مع أسرتك ، وكان لكم فيها ذكريات رائعة، كآخر مرة نزلت فيها البحر قبل عودتك مباشرة وكدت أن تشرب الكثير من ماء البحر المالح...
انتظر لحظة ....
ما أول شىء كنا نتحدث فيه فى هذه الذكريات؟
هذا هو تيار الوعى!!
تيار من الذكريات أو التخيلات ..
فهل تصنع لنفسك تيارا سعيدا من التخيلات البناءة تعيشه كل يوم للحظات قبل نومك ، فيمنحك القوة والعزيمة لليوم الجديد من حياتك؟!!





عدد مرات الفوز : 9
رد مع اقتباس







مواقع النشر (المفضلة)